وهبة الزحيلي

269

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

زرعنا ، لسوء حظنا ، والمحروم : الممنوع من الرزق ، وهو ضدّ المرزوق . ثم ذكر اللّه تعالى من دليل الرزق بعد المأكول وهو المشروب ، فقال : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ، أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ، أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ؟ أي أخبروني أيها الناس عن الماء العذب الذي تشربونه لإطفاء العطش ، أأنتم أنزلتموه من السحاب ، أم نحن المنزلون بقدرتنا دون غيرنا ، فكيف لا تقرّون بالتوحيد ، وتصدقون بالبعث ؟ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ، فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ أي لا عمل لكم في إنزال الماء أصلا ، فهو محض النعمة ، ولو نريد لجعلناه ملحا لا يصلح لشرب ولا زرع ، فهلا تشكرون نعمة اللّه الذي خلق لكم ماء عذبا زلالا ، تشربون منه وتنتفعون به ، كما قال تعالى : لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ ، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ ، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ النحل 16 / 10 - 11 ] . روى ابن أبي حاتم عن أبي جعفر عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء ، قال : « الحمد للّه الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا » . ثم ذكر النار أداة الإصلاح ، فقال : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ أي أفرأيتم النار التي تستخرجونها بالقدح من الزناد ، أأنتم أنشأتم شجرتها التي كانوا يقدحون منها النار ، أم نحن المنشئون لها بقدرتنا دونكم ؟ وكان للعرب شجرتان يقدحون بهما النار وهما المرخ والعفار ، بأن يؤخذ منهما غصنان أخضران ، ويحك أحدهما بالآخر ، فيتناثر من بينهما شرر النار .